فن وثقافة

خواطر فردوس …..مقصلة الحياة

بقلم / فردوس حروفيشي

كانت كجثة هادئة يغلب عليها مزيج من اللون الأصفر و الأزرق…ابيضَّ لسانها و شحبت ملامحها و غرقت عيناها في سفينة الظلام و اليأس…
كانت تعد الأيام و تنتظر شفاء طال و كأنه لن يأتي…ألغت مواعيدها و انسحبت في صمت من جميع التزاماتها ، و لم تعد تربطها بالحياة سوى لحظة سجود طويلة بعد كل صلاة…
نحلت حتى كادت عظامها تلتصق ببعضها…و تخجل عندما ترغب بنيتها الصغيرة في توسد فخذها الذي بات كحجر غير مريح أو صخرة مجوفة تهجرها الطيور و الاسماك…
صارت ترى في ذاك السرير قبرها الدنيوي، تلتصق به تارة و تتلوى على جنباته تارة أخرى…تغير موضع الوسادة عساها تجد وضعية مريحة أو تفكر في شيء يبعث على التفاؤل..
كانت إذا اغمضت عينيها ترى أشكالا ووحوشا ترقص و تطرح النار من عينيها الملتهبتين…أو ترى جنازتها و تعيش تفاصيلها البئيسة و هي حية تُرزق…
حتى كلمة “ماما” الصادرة من ثغر بنيتها الصغيرة لم تعد تجد صدى في داخلها…لم تعد تبالي بأن تتركها وحيدة، لأنها كانت تفضل أن تعيش يتيمة على أن تتعذب برؤية أمها تنطفئ كشمعة يائسة.
كانت في كل مساء تفكر و تتساءل كيف لها أن تُقبل من جديد على بزوغ يوم جديد، حامل بين اوقاته ألما و قهرا..فجأة صار كل طموحها هو نوم عميق يأخذها لعالم افلاطوني مزدهر المعالم أو تخدير شامل يضع حدا لما تشعر به من آلام.
حاولت مرارا وضع خطط يومية…تفريغ كل ما تشعر به على كتابات ورقية…لكن غبار ذلك المرض ابى إلا ان يلتصق بروحها و كيانها المنهار….
حاولت مرار تعداد النعم المحيطة بها…استرجاع ذكريات جميلة طبعت ماضيها البريء لكن دون جدوى…
كانت تود أن تودع الكل لأنها أحست بموت روحها و قرب مغادرتها لجسدها الهزيل…كانت تود لو تنام و تستيقظ في عالم آخر يندثر فيه معنى الألم و يتجدد فيه مفهوم الأمل بجمع شتات ذكرى الانسان….لكنها كانت تجد نفسها دائما أسيرة حاضر لا يليق سوى بالاشباح.
كانت تجلس طويلا لتفكر فيما سيحدث لأسرتها الصغيرة بعد توديعها لهم و تتحسر على أولئك الذين لم يكن بوسعهم زيارتها…على أولئك الذي نسيت أن تذكرهم بحبها الكبير لهم أو ربما خجلت من معانقتهم و همس كلمات حب في قلوبهم الدافئة…
غريب ذلك الإحساس الذي كان ينخرها من الداخل: ألم في الرأس…ضعف في العضلات…مغص في المعدة…فشل في القدمين…شد عضلي فاتك يمتد من وسط الرأس الى اطراف الانامل، ناهيك عن إحساس بالإمتلاء في غياب الحد الادنى للوجبات اليومية…
صارت تخشى مواعيد الأكل لأنها استنفذت كل أكاذيبها أمام أسرتها الصغيرة…فكيف لها ان تشرح لهم أن منفذ الطعام في حنجرتها الضيقة، مقفل لا يقبل سوى الماء كيف لهم أن يفهموا أنها تتضور جوعا و لا تستطيع الأكل…فالمضغ يؤلمها و هي تود لو تقتات و لا تقدِر…كيف لها أن تخبرهم أنها تعرف جيدا أن مقاسها صار كطفلة صغيرة…تدرك جيدا ان موازين جسدها صارت على وشك الانهيار…تعي حد الوثوق بأنها تزيد الطين بلة بامتناعها عن الأكل لكنها لا تستطيع لا الأكل و لا الاستسلام للحظة نوم دافئة…
كانت تستطيع فقط أن تفكر في الموت الذي صار مرادفا للخلاص العظيم في غياب الحلم بولادة جديدة، سعيدة، كفيلة بتضميد جراح الماضي و محو آثارها في واقع انطفأت فيه أنوار الروح…و استسلمت بين يديه كل رغبة في العيش….
#يُتبع#