فن وثقافة

خواطر فردوس /مقصلة الحياة:الجزء الثاني

المرصد الإعلامي /فردوس حروفيشي 

كان يباغتها بحضوره في جنبات روحها المنهارة…كانت في داخلها تسخر من تشبته بالامل في رؤيتها تستعيد قواها…كان يذكرها ان كل هذا سيصير جزءا من ماض مرير لن يتكرر…و بينما كانت تلتصق طوال اليوم بفراش سريرها البارد كان يقتحم غرفتها محاولا اضمار تحسره على حالها و تمويه واقع صار على وشك تدمير اسرته الصغيرة….كان يبتلع ريقه الناشف و يمد يده في اتجاهها طالبا منها النهوض للمشي او للقيام بجولة او لزيارة صديقة عزيزة…و بقدر ما كانت تحس نفسها لا تقوى على فعل شيء و لا ترى اي بصيص امل قادر على انتشالها من بحر اليأس و العذاب بقدر ما كانت تخجل من تلك اليد التي تُمد اليها لتطبطب على جراجها و تنتشلها و لو للحظات من تلك الامواج الجارفة التي كانت ترتطم كل ثانية بجسدها الخائر…
موازاة مع كل هذا كان هاتفها يرن عدة مرات في اليوم…كانت تُفرحها تلك الاتصالات لكنها كانت ترى فيها في الاَن نفسه مرآة لمعاناتها اليومية..كانت تود لو تقول انها بخير ..لو تستطيع ان تطمْئِن تلك الأصوات التي كانت تُشفِّر آهاتهم و أدعيتهم المؤثرة خلف تظاهرهم بالتفاؤل و الثبات….لكن شفرة المقصلة كانت حادة لا تعرف معنى الرحمة….
و رويدا رويدا شرعت تلك الجثة في نفض غبار اليأس من كفنها الاسود المبعثر…كانت تسارع لفعل اي شيء كفيل باخراجها من تلك المتاهة المظلمة او قادر على التخفيف من ثقل تلك الصخرة السيزيفية القابعة على كتفيها المنهوكين…..
و مع مرور الايام راودتها احاسيس جديدة…صارت تحس نفسها اثنين… في البداية خالت انها تشرف على عالم الجنون او السكيزوفرينيا…كانت ممزقة بين شخصيتين احداهما تود التشبت بالسرير البارد بينما الاخرى تحاول جرها رغم شراسة يأسها و عبئ ظلها الواجم…و هكذا صارت أيامها صراعا و اُستُبدل حزنها رغبة شرسة في انصاف نصفها الثاني…

ذات صباح طُرق باب بيتها…نهضت ببطئ و فتحت الباب…لتجد نفسها امام موعد مع مفهوم غادرها منذ زمن بعيد…نظرية مُسحت مسحا و ابيدت ابادة و انتحرت شنقا بوريد قلبها النابض بالحزن…أحست قلبها يرفرف…هل يعقل ان تستشعر من جديد مفهوم “لذة العيش” هل يعقل ان يعقد جسدها و كيانها جلسة صلح في وقت قياسي…
مرت كل هذه الاحاسيس كقطار مكوكي صارت وجهته وردية…رحبت بأمها و قبلت يديها و رأسها و دخلتا معا لمنزل انقلب فجأة من غابة موحشة الى جنة قادرة على صنع لحظات سعادة لا مادية كفيلة بترميم جراح الماضي و اقتلاع شفرة مقصلة الحياة…..