فن وثقافة

في ذكرى وفاة الفقيد العلامة الأستاذ الفقيه هاشمي الحسين….

المتابعة /محمد الرداف 

في مثل هذا اليوم 15أبريل من السنة الماضية سلم الفقيه العلامة الأستاذ هاشمي الحسين الروح لباريها، تغمده الله بواسع رحمته ومغفرته وأدخله فسيح جناته.فقد نال الفقيد شهادة “العالمية” من كلية ابن يوسف بمدينة مراكش أيام الاستعمار حيث تمكن من قواعد اللغة نحوا وصرفا وبلاغة باستبطانه متون “الأجرومية”و”ألفية ابن مالك” وغيرها من دروس الفقة والسنة ليلتحق سنة 1956 بإعدادية ابن خلدون قبل أن تتحول إلى ثانوية كمدرس لمادة اللغة العربية في وقت لم يكن فيه المغاربة يشكلون إلا النزر القليل والقليل جدا من الهيئة التدريسية آنذاك. انتقل بعدها ليعمل بالمدرسة الصناعية التقليدية قبل أن تحمل إسم إعدادية محمد الرافعي لاحقا .تتلمذ على يديه آلاف التلاميذ إلى حين تقاعده، قضى زهاء أربعين سنة بين جدران حجرات الدرس والتحصيل ينشر المعرفة دون كلل أو ملل ،عاصر مدراء عديدين من بينهم السادة :كاسي الجزائري والجهراني وبنشرقي رحمهم الله جميعا.لم يتقدم طيلة حياته العملية بشهادة طبية قط،ولم يتأخر دقيقة واحدة عن موعد بداية دوامه الرسمي. اشترى ذات يوم سيارة من نوع “سيمكا آروند” لكنها لم تعمر عنده أكثر من شهرين ليتخلص منها بعد أن أحس أنها ستحرمه من عشق المشي وهو الذي كان يذرع المسافات دون مبالاة بالرعود والبروق والأمطار والحر أو القيظ، كان ينساب متأبطا محفظته الجلدية الدكناء مرتديا جلبابه أو هندامه العصري وربطة عنقه الأنيقة قاطعا المسافات بين زنقة المرابطين بحي الصفاء مرورا ب”سربيس مانسيبو”وأزقة درب “ابن ادريس” ليصل في سرعة البرق إلى فضاء المؤسسة ليكون أول الملتحقين بالعمل ليكتب نصا أو أمثلة على اللوح الأسود قبل ولوج المتعلمين قاعة الدرس.أما أنصاف الأيام ويوم الأحد فبعد جولة يقدم فيها البيعة والولاء لأمواج شاطئ البحر يتوجه نحو كرسي من كراسي “لاموزيك الحمراء”بحديقة محمد الخامس ليستظل بظل أشجار “الكاليبتوس” وهو يلتهم مقالات جريدتي العلم والمحرر أو صفحات ديوان أوكتاب من كتب الفقه والتفسير.
كان محبا للنكثة والحياة،يتجاذب أطراف الحديث والمرح خاصة مع أهل دوار”اولاد علي” نواحي اولاد افرج حيث الأصل والمنبث، عشق هدوء الحقول والبساتين فبنى بيتا هناك يختلي فيه حين يزور البلدة،ويجعله أحيانا محجا للأصدقاء والأهل من الفلاحين البسطاء.كان يجول مشيا كل حقول الزرع والبطيخ والجلبان والفول والبصل وكروم العنب لساعات طوال فيحس بالنشوة العارمة وتجدر علاقة الهيام التي تربطه بالتربة.
كل سيارات الأجرة والحافلات المتجهة صوب البلدة تعرفه ،بل كل الأحجار و الرمال وكروم التين والعنب والخراف والجياد وخيام الأسواق تعرفه،يتبادل مع الجميع التحيات همسا وجهرا، يتبادل وإياهم المحبة والمودة سرا وعلنا.


الأستاذ الفقيه العلامة هاشمي الحسين كان مثالا للاستقامة والبذل دون كلل أو ملل ،وشحه الملك الراحل المغفور له الحسن الثاني بأرفع الأوسمة وكرمه القاصي قبل الداني،أحاطته ساكنة الجديدة وأهالي القرية بكل آيات العرفان والتقدير والإجلال والإكبار.وقد كان آخر كرمه تفضله بإهداء خزانته التي كانت تضم مجموعة من المخطوطات والمصادر القديمة وأمهات الكتب والتي كانت تشكل جزءا من كينونته للمكتبة القادرية وفاء منه لقيمة العلم والعلماء خاصة منهم أهل التربية والتعليم.
عشت في صمت، ووافتك المنية في صمت،ورقدت بمتواك الأخير في صمت.فنم قرير العين تحرسك آيات الرحمان. فذكراك اليوم تجعلنا نستخضر نورك الساطع، وحكمتك الثاقبة، وهديك الشامخ وعلمك النافع.