سياسة

“لشكر و الساسي.. و آخرون..” مقتطف من رواية عش البجع الأخير

مقتطف من رواية عش البجع الأخير

بقلم / عبدالسلام المريني 

كانت أمواج من الطلبة تتدافع لمغادرة الكلية، احتميت بالزحام للوصول إلى دراجتي النارية و امتطيتها بسرعة وغادرت المكان، تحركت عبر الأزقة و الدروب الضيقة التي يصعب ملاحقتي فيها بالسيارات.. وصلت إلى باب الأحد.. ترجَّلتُ و مشيتُ في الشارع الرئيسي جيئةً و ذهاباً إلى أن تعبت.. دخلتُ إحدى المقاهي توجد قبالة باب وزارة العدل و طلبت كأس قهوة.. فجأة تقدم إلي أحد الشباب، كان طويلا و قوي البنية، نحيفا، يلبس سروال جينز و تريكو مخطط يلتصق ببطنه الضامر.. جلس دون مقدمات و قال:
– هل تعرفني ؟؟
– لا ..
– أنا مناضل بالاتحاد الوطني لطلبة المغرب.. لقد كنت بالمدرج حينما قمت وحدك بإخراج الطلبة.. لأي فصيل طلابي تنتمي ؟
أدركت أن هذا الشخص هو نفسه الذي نبهني إلى احتمال اعتقالي، أجبته:
– لا أنتمي لأي فصيل .. قال لي
– لقد أعجبتُ بجرأتِك.. أتمنّى أن تلتحق بحزبنا .. أنا مناضل في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية اللجنة الإدارية.. إذا شربتَ قهوتك تعالى معي لتتعرف على مناضلينا..


ذهبتُ معه ذلك المساء إلى مقرّ الحزب قرب لا سافط.. هناك تعرفت أكثر على صديقي محمد الساسي المناضل الكبير و الكاتب اللامع و الصحفي المتميز.. و على خلية كلية الحقوق بعناصرها الثابتة الجندالي عضو ديوان الوزير الأول اليوسفي لاحقا.. رشدي مناضل من صفرو الذي لا أعرف مصيره.. و تعرفتُ على الشخص الذي نبَّهني للخروج من الكلية و تبعني و أحضرني للحزب، إنه ادريس لشكر الوزير في حكومة التناوب و الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي لاحقا.. تعرفتُ هناك على الأستاذ السفياني المحامي الصامد الذي كان يحضِّر رسالة للحصول على دبلوم الدراسات العليا.. على الأستاذ بنعمرو النقيب و المناضل الحقوقي الكبير.. الأستاذ المالكي وزير في حكومة التناوب و الاقتصادي اللامع ورئيس مجلس النواب الذي كان حينئذ يعبِّر بالعربية بصعوبة بعد رجوعه من فرنسا و يعتذر للحاضرين بأنه تعلم العربية في اجتماعات الحزب فقط..
كان الاتحاد الوطني للقوات الشعبية قد انشق إلى جناحين، و كان فرع الرباط يقود ما يسمى الاتحاد الوطني اللجنة الإدارية و يسيطرُ على معظم الأقاليم و يتوفر على خيرة الأطر و المنظرين، و على الخصوص قيادات ذات نشاط ميداني قوي و على رأسهم الأساتذة عبد الرحيم بوعبيد و عمر بنجلون و محمد اليازغي الذين كانوا وراء الوعي الديمقراطي الجديد و الخروج من هيمنة فكرة الحزب الوحيد.
حضرتُ اجتماعات متعددة، و شاركت الأستاذ السفياني في تسيير الجمع التأسيسي لفرع يعقوب المنصور، و حصل خلال ذلك أن قامت الدنيا و لم تقعُد بعد محاولة مجموعات “محمود” و “دهكون” إطلاق حركة مسلحة في المدن و البوادي، و أّدى ذلك إلى حملة اعتقالات كبيرة وسط الاتحاديين و اليسار الجديد الذي كان بدوره يروِّج لفكرة خلق بؤر حمراء و بدء العمل المسلح.

كان طبعي المتمرد و المتهوِّر يدفعني إلى المغامرات، و لم يكن الباعثُ في ذلك تقديرا سياسيا صحيحا أو تقديرا ميدانيا لموازين القوى و حظوظَ النجاح و لكن كان باعثيا رومانسيا حالما، كان من متخلفات قراءاتي حول التمرد و الرفض و الثورة ذات الطابع البطولي و لا علاقة له بأي تقييم سياسي، لذلك بدأت أتذمر من آراء السياسيين التي تنتقد الخط “البلانكي” و تحذر من الوقوع في المغامرة السياسية و التأثر بالجملة الثورية..
لم يكن ذلك عن جهل و لكن عن ميل.. في ذلك الوقت بدأت في قراءة لينين.. “ما العمل؟” .. “الجملة الثورية”.. قرأت ستالين..”المادية الجدلية.. قرأت ماوتسي تونغ.. “العمل السري في يونان”..”الممارسة العملية”.. اشتريتُ أعماله الكاملة التي كانت تباع بشكل سرِّي في المكتبات كما تباع المخدرات..
كان الجندالي يشكل استثناء وسط الاتحاديين.. كان ماركسيا مقتنعا.. و كان يعتمد كثيرا تحليلات تروتسكي.. يسميه “تروتوسكي” و يلحُّ على ذلك.. بلغ به الهوسُ أن قرأ كتاب “رأس المال” لماركس من بدايته إلى نهايته بجميع مجلداته دون أن يفهم منه أيّ حرف.. و كان يفتخر بصبره على قراءة كتاب القائد الماركسي ذا الطابع الاقتصادي المتخصص و إكمال القراءة رغم صعوبة النص و استغلاقه بالنسبة له.
كانت أحلام القيام بنشاط فعلي يأخذ بلبِّي، و لم يكن التوجه السائد بين الاتحاديين يشفي غليلي، و حاول الساسي بصبر إقناعي بأن الثورة ليست عمل مراهقين معزولين عن الشعب، و أن ما تحلم به الجبهة الموحدة للطلبة و مكوناتها شيء لا يمكن تحقيقه.


في التجمعات الملتهبة حماسا كان “ع..” -أحد قادة الحركة الطلابية- يقف على الخشبة و يصيح:
– من أعدَّ هذا المدرج للاجتماع ؟؟ في المرة القادمة لا نقبل أن تبقى صور رموز المخزن معلقة فوق رؤوسنا، و إننا لن نوقف الإضرابات إلا إذا سقط النظام…
كان ذلك ما يستجيب لأحلامي الثورية.. فاندمجت بكليتي في التحريض و الشوشرة.
في اجتماع القطاع الطلابي كانت الأخبار تتقاطر، اعتقل تقريبا جميع القادة، فرَّ من بقي منهم، و ظل الأستاذ عبد الفتاح ولعلو وحده يعطي التوجيهات، كما يواظبُ على الحضور لحصص الدرس التي كان يلقيها في مادة الاقتصاد السياسي.. حضرنا درسَه الزوالي، وصل كعادته في الوقت، و اتخذ مجلسَه و هو يقلِّبُ الأوراق بين يديه، بعد أن اكتمل الحضور، أخذ مكبر الصوت بين يديه و تحدث إلى الحاضرين:
– أريد أن أخبركم أنني توصلت كما توصل باقي زملائي أساتذة الجامعة بقرار بالتَّسخير من السلطات العسكرية، و أن حضورنا أصبح إلزاميا تحت طائلة العقوبات الزجرية القانونية منها و غير القانونية، و أقول بأنه زيادة على مخالفة مبدأ التسخير لحقوق الانسان و للحريات العامة، فإن حضوري شخصيا هو حضور تحت ضغط الإكراه، و أعلنُ أنني في حالة إضراب و لن ألقي أي درس.. و سأبقى جالسا هنا ممتنعا عن الكلام إلى انتهاء زمن حصة الدرس..
و هكذا انكفأ على أوراقه و أطفأ الميكروفون..
لم يكن كل الأساتذة بهذه الشجاعة.. (أ. ج) مسؤول رفيع لاحقا، وجه صفعة لإحدى الطالبات التي وجدت الجرأة للحديث في الموضوع.. (ع.ع) الفقيه المعروف، رافق رجال الأمن إلى أرشيف كتابة الكلية للإرشاد على الطلبة الذين يحرِّضون على الإضراب، و كنتُ أول ضحاياه.. علال الفاسي كان شخصا دمثا محبوبا رغم اختلاف الرأي معه، و كان يحكي النكث و يمازح الطلاب و يقول:
– إن حال المغاربة هو هذا يختلفون دائما و لكن سرعان ما يجتمعون على كلمة واحدة..
كان اليساريون يروِّجون عنه أنه يقول للطلبة من أهل فاس أن يتركوا “العروبية” يقاطعون الدراسة، و أن عليهم أن يجدُّوا و يثابروا لأن المستقبل لهم.. و لكني كنت مقتنعا بأن ذلك الكلام لا أساس له و أنه محض افتراء عليه.. و لا يمكن أن يصدر عن شخص في سعة علمه و وطنيته و أخلاقه الرفيعة.
عبد الله ابراهيم.. كان يحمر خجلا كلما أحرجه الطلبة بالأسئلة.. هو رئيس حكومة سابق، و زعيم اتحادي من مجموعة الدار البيضاء، و كان حيِِِِِِِيّاً و مثقفا و لكن لم يكن مفهوما من طرف غالب الطلبة، و كان السّاسي يحرجه كثيرا في ردهات الكلية و هو يردد:
– الرفيق قبل الطريق السي عبد الله..
ذلك أن هذه المقولة كانت مبدأ أساسيا في نظرية عبد الله ابراهيم، و لكن القطاع الطلابي كان يعتبر أنه تخلى عن رفاقه من جيل الثورة.
الأستاذ (م ع) الذي سيتقلد منصبا وزاريا رفيعا لاحقا، و هو فقيه متمكن من عدة تخصصات في القانون العام و القانون الخاص، و يكتب بعدة لغات، رفض الالتزام بالامتناع عن إلقاء الدروس و التضامن مع زملائه، و كان قصير القامة، مع أنه قامة علمية شامخة، دخل الساسي حصة الدرس التي كان يُلقيها و جلس في الطاولة الأخيرة، و شرع يصيح:
– اصعد يا أستاذ فوق مكتبك لكي نراك، إنك قصير جدا.. ضئيل أمام الآخرين..
درسنا في تلك السنوات على أقوى الشخصيات السياسية و العلمية: المكي الناصري، علال الفاسي، عبد الله ابراهيم، عبد الفتاح ولعلو، النقيب عبده المراكشي، الأستاذ السملالي، جلال أمال، موسى عبود، الخمليشي مدير دار الحديث الحسنية لاحقا، عبد القادر القادري و بوجمعة أستاذي القانون الإداري المتمكنين، الأستاذ البارودي وزير الدفاع السوري و الفقيه المتخص في القانون الدستوري، الفقيه الكزبري رئيس الوزراء السوري في حكومة الانفصال عن مصر… و غيرهم..
في السنة الأولى بعد أن التحقت بالحي الجامعي تعدَّدت تحركاتي و أصبحت مناضلا محترفا، أسهر الليل لتلخيص الدروس المطبوعة في دفاتر لا زلت أشتغل بها إلى الآن، و أتفرَّغُ خلال النهار للتحريض و النضال..
ذات يوم.. كان الدرس صباحا، انتشرتِ الفوضى بعد أن قُمنا بإخراج جميع الأقسام و إفراغ المدرجات.. كنا نصيح مرددين للشعارات بأقصى ما نستطيع من قوة.. و فجأة انتشر الخبرُ بأن قوات عديدة من الأمن تطوِّقُ الكلية، كان هناك السيمي، و الكوم، و القوات المساعدة، و الشرطة، و الجنود.. و عناصر كثيرة من شتى مصالح الأمن و الاستخبارات بلباس مدني.
كان أخشى ما يخشاه الطلبة هم قوات “الكوم”، و هم فرقة من أهل الرِّيف يلبسون جلاليب قصيرة تصل إلى مستوى الركبة، مزركشة بخطوط عمودية سوداء و بيضاء، و كانوا يحملون عصيا غليضة و قصيرة، و كانوا لا يشعرون لا برحمة و لا شفقة، و بمجرد تلقيهم للأوامر يضربون الجميع بكل قوة و لا يهمُّهم من مات و من عاش..
حاولنا الخروج من الكلية فصادفنا فريق من الشرطة يحاصرون الباب و يتأكدون من هوية كل طالب واحدا واحدا و هم يمسكون بلائحة بأسماء المبحوث عنهم.. و بجانب رجال الشرطة عناصر من السيمي تحمل بندقيات جاهزة للضرب و توجهها إلى صدور الطلبة.. تراجعنا إلى الخلف إلى مشارف المدرجات حيث توجد ساريات تتدلى منها سلاسل حديدية غليضة، و تفترش الدائرة حول السارية بأحجار متوسطة من الحجر الصم، أخذنا تلك الأحجار و دخلنا في مواجهة مع القوات، تبادلنا الرشق، و وقعت إصابات من الطرفين، و كنت بقرب الساسي.. قلت له:
– ماذا علينا أن نعمل ؟؟ أجابني :
– نقاومهم إلى آخر رمق..
اضطررنا إلى التّراجع، و احتلّتْ القوات المواقعَ التي توجد فيها أحجار، كنّا معا وسط الحشود التي أصبحتْ تدفعُنا بحكم الزحام و التدافع نحو الباب الذي يجري فيه التفتيش، و كان ادريس لشكر قد نجحَ رفقة مجموعة من المناضلين في تسلّق السور الخلفي و الهرب من الغابة التي كانت تحاذي الكلية.. لم يكن أمامنا اختيار، شرعنا بدورنا في الدفع لكي لا تتمكن القوات من إجراء عمليات الفرز بشكل دقيق.. كنا نصيح بالشعارات.. الاتحاد الوطني لطبة المغرب.. الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.. السقوط للفاشيين.. المجد للشهداء.. اقتربنا كثيرا من الباب، كنا قرب العسكري الحامل لبندقية صاح في وجهه الساسي:
– كلب.. رجعي.. حقير..
أخذ العسكري بندقيته و جعل فوهتها إلى الخلف و ضرب الساسي بكل قوة على مستوى بطنه.. تأوَّه الساسي و صاح:
– رجعي .. كلب.. حقير..
ضربه من جديد و ضربه مرات.. تحركت الحشود و قد تزاحمت على مخرج الباب.. كان التدافع أقوى من محاصرة الشرطة فانفكَّ الحصار و خرجنا نجري جميعا نحو الشارع.. في الجهة المقابلة كان هناك مجموعة من السيمي و الكوم و رجال أمن باللباس المدني يمسكون بأحد الطلاب، لم أتعرف عليه، كان يضربونه بشكل وحشي و قد تهاوى و وَخَطتِ الدماء جميع أعضاء جسمه و ملابسه، و لم تعُدْ تظهر ملامح وجهه من آثار الضرب.. كان كالريشة يتم التلاوح به بينهم، إلى أن سقط أرضا فقاموا بجرِّه ككبش مذبوح..
استطعنا استرجاع دراجاتنا النارية من مكان الحراسة، و توجهنا أنا و الساسي إلى بيتهم، كانت أمُّه سيدةً طيبة، متفهمة جدّا و لها روح نضالية، كان يتخذ مقعدا على طاولة عمله و يشرعُ في العمل بجدّية على مقررات السنة الدراسية، يكتبُ بخط جميل و بعناية كبيرة، و يتحرّى نظافة دفاتره و انتظامها و يتجنب كل شطب أو إضافة كأنه يرسم لوحة فنية.
تبادلنا الرأي طويلا حول ما يمكن عمله، كان يمثِّل الواقعية السياسية، يعرفُ بأن ما يقوم به مجرد تكتيكات في سبيل انتصار الخط الحزبي الهادف إلى تسويات مع النظام الحاكم و التغيير الديمقراطي، و كان بالنسبة لي بداية الثورة الحقيقية و العنف الثوري، و لكنّه كان واسع الصدر و أمينا على الأسرار، يحضر اجتماعات صاخبة لليسار الجديد دون أن يحتاط منه أي شخص لثقة الجميع فيه، و يختلف معهم و لكنه لا يشي بشيء مما سمعه
أحضرت أمُّه القهوة بالحليب و ما توفَّر لها من مأكل، و رحبتْ بي على عادتها، و استمعت إلى أخبار تحركاتنا دون أن توجّه أي انتقاد او تحذير.. غادَرْتُه بعد فترة، و توجهّتُ إلى الحي الجامعي، دخلت بدراجتي النارية إلى داخل الحرم، و قصدت العمارة التي كنت أقطن بطابقها الثاني رفقة صديقي طالب الطب، نزلتُ من الدراجة و أطفأتُ محرِّكها، لاحظتُ حركةً غير عادية بالمدخل، كان هناك شخصان باللباس المدني رفقة حارس العمارة الذي تكلم معهما بمجرد رؤيتي، اعترض سبيلي أحدهما، و قال لي:
– أنت هو المريني ؟
– نعم..
– آجي معانا بغيناك لشي حاجة في الإدارة ..
نظرتُ حولي لم أجد حلاًّ بعد أن حاصرني الثلاثة من كل الجهات.. خطرتْ لي فكرةٌ قلت له:
– واخا.. غادي ندير القفل للموتور و نمشي معاكم..
أقفلتُ مباشرة نحو دراجتي، في حين بقيَ الثلاثة في انتظاري بالمدخل، بسرعة.. ركبتُ عليها و أدرت المحرك فاستجاب بسرعة، و انطلقت لا ألوي على شيء..
خرجتُ من الشوارع العريضة لحي السويسي، و دخلت إلى دروب حي أكدال، كانت هناك سيارة سوداء تتعقَّبُني بسرعة و خطورة لاقترابها مني أكثر من مرة، نفعتني معرفتي بأزقة الحي، و قمتُ بمناورات سريعة بينها و غيَّرتُ اتجاهي عدّةَ مرات إلى أن فقدتِ السيارة أثري.. شعرتُ بالخوف، و تذكرتُ ما يحكى عن التعذيب بدار المقري و المقاطعة الثانية للشرطة قرب ساحة بيتري.. توجهتُ من جديد إلى حي يعقوب المنصور و قصدتُ منزلا لبعض الطلبة من مدينة المحمدية.. بقيت عندهم إلى حلول الليل.. ثم أخذت دراجتي و ذهبتُ إلى الحي الجامعي، توقفت أمام عمارة بعيدة عن العمارة التي أقطنُُها و ترجلّتُ محترسا من وجود كمائن قد تكون منصوبة للإيقاع بي، صعدت أدراج الطابقين الأول و الثاني، و تسلّلْتُ خفية إلى الغرفة، وجدتُها مقفلةً بالشمع الأحمر، جربتُ مفاتيحي، فتبين لي أن الشرطة غيّرتِ الأقفال، نزلتُ إلى الطابق الأول و ذهبت إلى غرفة صديقي سيدي أحمد البقالي، وجدته لا زال ساهرا، فتح لي الباب و قال:
– ماذا فعلت يا أخي إن الحي الجامعي انقلب رأسا على عقب بعد فرارك..، أجبته:
– شيء عادي بالنسبة لي، أين رفيقي في الغرفة سي عبد السلام طالب الطب ؟
– لقد تم استبدال الغرفة و نقل إلى غرفة أخرى بالجناح المقابل من الجهة الشرقية للدرج.. و تمَّ تشميع غرفتك بعد تفتيشها من طرف فريق من رجال الأمن، و حجزت أشياء لا نعرف ماهيتها..
– أريد فقط أن آخذ مقرراتي الدراسية للسفر إلى الدار البيضاء و تحضير الامتحانات ..
– أية امتحانات إنك لا تعي الخطر الذي يهدّدُك، إذا اعتقلوك لن يظهر لك أثر بعد اليوم..
تركت البقالي و تحذيراته، عدت خفية إلى الغرفة، و حاولت أن أتغلب على الأقفال، و لكنني عجزتُ عن ذلك.. أخذتُ دراجتي و سقتُها دون أن أشعل الأضواء، عدت عند الأصدقاء بحي يعقوب المنصور، وجدتُهُم في حالة سكر، كانوا قد شربوا قدرا من الخمر، و شرعوا يغنون بصوت مرتفع أغاني جيل جيلالة و ناس الغيوان، استمعوا لروايتي للاحداث، ثم استكملوا شربهم.. و غنُّوا على شرفي:
– “خويا جبهاوي. و انا جبهاوي.. و الله يلا ثورة.. و الله يلا ثورة و حمرا في بلادي شعلات”..
بعد أيام.. و قد كان الباقي على الامتحانات شهرين فقط، أخذت القطار و ذهبت إلى الدار البيضاء.. كانت والدتي وحيدة بالبيت، رويت لها شيئا مما حصل، أخذت في تنبيهي إلى خطورة ما أقوم به، و شددت عليَّ اللوم إلى أن فضلت أن أنسحب في انتظار عودة أبي..
رجع زوالا، وضعته في الصورة و أرجعتُ تصرّفات الشرطة إلى حالة القمع العامة، و أنني لم أتجاوز القانون و أشتغل فقط في حدود ما يسمح به النشاط النقابي للطلاب، لاحظت أن يديه ترتعدان خوفا علي، دخن سيجارة أو اثنتين، ثم قال لي:
– غدا لها مدبر حكيم..
في ذلك اليوم نمت نوما عميقا و لم ينتزعني منه إلا صوت عبد الوهاب يشدو..”كان أول يوم لما شكى لي.. قلبي من حبك و انا خالي.. كان أول يوم.. لما شكى لي.. لما شكى لي” كان صوتا ملائكيا يأتي من بعيد.. و رائحة النعناع تملأ الجو تحت أشعة الشمس المائلة إلى الغروب، و سمعت صوت أبي بعد طرقه للباب:
– سيدي عبد السلام.. نوض تشرب أتاي.. نوض هاذي المغرب..