فن وثقافة

قصة وطن

بقلم: أزلو محمد

في زمان ما قادم لا محالة،سوف تقف الجدة وتحكي للأحفاد عن تاريخ بلدهم المغرب، سيتحلقون حول مائدة البحث عن ذاكرة الأجداد،يتأملون في الأفق عن أحلام راودتهم حول بطولات أجدادهم الوهمية، بطولات رسمتها ذاكرتهم المليئة بالأمل.
يبدأ أكبرهم سنا بالكلام محاولا سبر غور أعماق الجدة:
ــ حدثينا جدتي عن عصر أجدادنا الأوائل ممن عاصروا رسولنا الكريم؟
تتأمل الجدة نظرات الترقب في أعين الصغار، تسرد لهم عن بطولات الصحابة وشجاعتهم وبسالتهم في الحروب نهارا،وبكاؤهم وخشوعم في صلواتهم ليلا.
وضعت الجدة أمام أطفالها حكايات وروايات، إنتفخت معها هوادج الأطفال افتخارا بانتمائهم لدم هؤلاء الصناديد.
تقدم أوسطهم سنا،وباغث جدته بسؤال”تمنى أن يكون جوابه مشرفا مثل سابقه”:
ـ أخبرينا جدتي عن أجدادنا المعاصرين،الذين عاشوا في القرن العشرين؟
تنهدت الجدة…تناولت كوب شاي ساخن كان أمامها… ارتشفت منه رشفة…وبدأت في سرد حكايات عن أسلاف لخير أخلاف،حاربوا الاستعمار الفرنسي والاسباني والبرتغالي، علموا البشرية معنى التحدي،حتى استطاعوا طرد الغزاة،حافظوا على قيمهم الإسلامية التي ورثوها عن سلف صالح…
نظرت الجدة لصاحب السؤال…لتجده ينظر الى السماء مفتخرا بانتمائه لدم هؤلاء الأبطال.
حاولت الجدة أن تعلن لأطفالها عن نهاية حكايات اليوم،ولكن أصغر الأحفاد، لطمها بسؤال كانت دائما تحاول تفاديه والتغاضي عنه،حاول الطفل الصغير أن يأخذ التشريف كأخويه السابقين ورمى بسهم سؤاله:
ــ وماذا عن أجدادنا في القرن الواحد والعشرين؟
ارتجفت الجدة وأمسكت بكوب الشاي الذي أصبح الآن باردا كسؤال الطفل البريء.
نظرت لصغيرها والدموع تنهمر من عينيها…قالت:
ــ عماذا سأخبركم،أجدادكم في القرن الواحد والعشرين، معظمهم ناضل من أجل رفع السروال، لقد ضيعوا الميزان في موازينهم،ورموا بشرف نسائهم داخل ماخور أفلام لا تحمل من الفن إلا العفن.
عن من سأخبركم أطفالي، عن رجال هم أشباه للرجال، أم عن نساء تعروا وناضلوا من أجل التعري، هل أخبركم عن من ضاع وأراد أن يضيع معه جيل بأكمله.
هنا خفض الطفل الصغير رأسه،واحمرت وجنتيه خجلا،وتمنى لو نهض ونام قبل رمي السؤال القنبلة، ويحلم بما كان يحلم به قبل اليوم.
لكن الجدة أمسكت من يد الطفل وضمته إلى صدرها، وقالت له:
ــ لا تحزن بني،لم يكن كل أجدادك في هذا القرن كما أخبرتك،بل كان منهم الشريف والعفيف،كان منهم من رفع راية بلدك خارج الديار،وكان منهم من ناضل من أجل أن يبقى اسم المغرب شامخا رغم عداوة الجار.
ولم تكن نساؤهم كلهن مثل هؤلاء اللواتي سبق ذكرهن، بل كانت من جداتك مناضلات شريفات حملن راية العلم والمعرفة وجابهت بها الكبار، فلا تحزن بني،وسط الظلام كان هناك دائما نور يستنير.