رأي

أي دروس نحتاج و أي العبر نستخلص؟

يوسف بن عبوا – طالب باحث
التضامن يصبح واجبا ،حين يكون الجميع مهدد.أما في السلم فلا أحد يسمع أنين أحد. أتصور لو أن هذا الوباء، له ترياق و لكن ثمنه باهض وليس في متناول الجميع شرائه. يسجل الوفيات فقط في صفوف الفقراء.هل يقف العالم بنفس موقف الخوف و الفزع الٱن؟ هل الإعلام سيتحدث بهذا الشكل من التهويل و يمارس نقدا ذاتيا في مهنيته و تعامله مع مسائل المصداقية و الوثوق و عدم نشر الشائعات؟ هل ستتوقف الحياة فجأة بهذه الطريقة المرعبة؟
الخوف الجماعي الذي يحتوي وسطه الكثير من الأنانية المحركة بغريزة البقاء.و التضامن ما هو إلا غطاء فرضته الأنانية،من أجل النجاة.قبل “كورونا” كان شعار العالم “الخوف الذي لا يقترب مني،لا يعنيني في شيء.بالتالي لا يستحق اهتمامي.”
و سرعان ما طفحت أعراض الأنانية في بدايته، لتفضح وهم التعاون و التضامن و التٱزر… و تفضح تربية عقود من الإستهلاكية المفرطة.سارع الميسور لشراء كميات كبيرة من الأغذية والطعام للإكتناز. فقط لأن أمواله و بطائق الائتمان تسمح له بذلك. حينها لم يفكر في الآخرين من بني جلده، لم يفكر في العامل المسكين في الفلاح الصغير في الأيتام و المسنين في الخادمة… حينها لم يتحمل عناء ربط مصيره بمصير ملايين الناس الضعفاء.ولكن بعد أن فهم أن الطبقية انهزمت أمام عدالة “كورونا”.و أن إصابة حارس السيارات و خادمة البيت هي بداية إصابة المشغل و صاحب السيارة.سارع مع الجميع بنفس الطريقة إلى تبني الإجتماعية الزائفة و الإحساس بالغير. الإجتماعية التي تنطوي على رغبة جامحة في الحفاظ على الذات.ولا سبيل إلى ذلك إلى بالحفاظ على الأخر.هنا بدأت حملات التوعية و دعم الفقراء بالأغذية و الطعام و الإحساس بالمسؤولية تجاه الغير…
إن العالم و منه الوطن الحقيقي ليس هو عالم الآن ولا وطن اليوم.ولكن ما كان عليه قبل الآن. لا يمكن فهمه إلى بالرجوع إلى ما قبل هذه الأزمة. في فترة غاب عنها الفزع الجماعي. كان عالما شرسا لا يرحم ولا يعترف بالإنسانية و العيش المشترك.عالم متوحش مملوء بالإستهلاك و دعم القوة و السلطة و النفوذ.عالم يعيش على هامشه و في حافته ملايير البشر خارج النسق و خارج الإهتمام.عالم يسرق الحياة من الضعفاء ولأنهم ضعفاء فلا صوت يسمع صوتهم،ولا حق لهم في الحديث.
أو لم تكن مناطق مهمشة و معزولة تعيش الحزن و الخوف الانفرادي قبل أن تحل النكبةالجماعية.أو لم تكن قمم الأطلس محاصرة قبل أن يعم الحصار .أناس خارج التصنيف في جداول المواطنة .أناس معتادون على الوفيات،فالذي يحمل زوجه الحبلى على النعش كيلومترات لتضع جنينها، ويحدث أن يعود بها جثة هامدة روح في روحين.يجتمع الناس على الوليمة لينصرفون إلى حياتهم المعتادة، و يعيد الرجل محاولة الزواج كأن شيئا لم يقع.مناطق تخاف الجفاف و انقطاع الأمطار،و لا تهاب لسعات العقارب و الأفاعي. مناطق يخيفهم العطش و لا تخيفهم الجراثيم المنتشرة في مياه الآبار والسواقي.مناطق مغضوب عليها من لدن الطبيعة قبل غضب المسؤولين في وطني.
أما خارج الجغرافيا الوطنية و في الانسانية ،أو لم يمت الملايين من الأبرياء في حروب ضد الأنظمة و الديكتاتوريات؟ أو لم يكن شعب سوريا محاسرا لعقود ولا أحد سمع صوت سوريا تستغيث من تحث نيران المدافع؟ و قبل سوريا العراق التي مارست أمريكا على شعبها التطهير العرقي و الإبادة بذريعة السلام.كم مات في ليبيا و كم سقط من القتلى من الاكراد و ما خبر الطوارق ؟ و ما أخبار داعش و القاعدة ؟ و كم فرض الحصار على دول وكم صادروا و نهبوا بإسم القانون ،قانون الأقوياء ضد الضعفاء خيرات الدول؟ و كم قتلوا و كم شردوا من أسر و كم عدد الشهداء و الأرامل و الأيتام و المفقودين و الاشلاء و مخيمات النازحين… كل هذه الجرائم كانت تقام أمام أنظار الجميع،و تنقلها قنوات الأخبار ولكن لا أحد كان يهتم لأحد ولا أحد كان يسمع أنين أحد.
حينها العالم يستمتع بقدره الوافر من الأنانية المتاحة.الرصاص الغارات تقابل بالرقص على أنغام الموسيقى في الحانات.أخبار الحروب و الوفيات و الحصار عوضتها شرائط الفكاهة و الهزل و أخبار التفاهة و التافهين.والجميع يصف من يطالب بالخدمات من صحة و تعليم جيد بالإنقلابي،الثوري المهدد للسلم و الأمن العام و مكانه السجن،فمتى يعترف السجان للسجين بأن الحق سبحانه كان معه لا مع الطغاة و مكاتب الضباط ،و أن مطالبه تحولت إلى مطالب شعب و نظام لتجاوز الأزمة؟
اليوم و الأيام تداول نفسها و تعمم علينا معاناة أناس كانوا ناكرة،نشاز موتهم و حياتهم سيان.و اليوم نطالب من الأغنياء الذين كنا ندافع عنهم و نتقرب منهم و نعادي كل من انتقدهم أو حاول فضح جشعهم أن يتصدقوا علينا بقليل من المال.اليوم نقف جميعا على واقع الصحة في بلادنا و المستشفيات. اليوم أصبحنا نهتم بالتعليم و أخباره و نتابع السياسة و السياسيين و نحفظ خطبهم و نداول تعليماتهم.اليوم نشاهد الذين اختفوا هربوا خوفا على أنفسهم و نعرف من الذي يضحي بحياته من أجل هذا الشعب. “كورونا بقدر ما هي فاجعة انكسر أمامها الجميع،ولكن لا يجب أن ننسى محاسنها فقد كشفت الواقع و عرت الحقائق و هي دعوة لنعيد النظر في واقع إنسانيتنا جميعا. كورونا رسالة الطبيعة لمن يتوهم أنه تغلب عليها.كورونا أكثر من فيروس هي تقييم قاسي للبشرية.