رأي

برامج المقالب في رمضان بين السادية والاحتقار

المرصد الاعلامي – جبرائيل باني

ما ان يطل علينا شهر رمضان من كل عام ، حتى تتدفق علينا الأعمال التلفزية الرمضانية ، ولعل ابرزها والأكثر متابعة من بين كل البرامج ، هي برامج المقالب أو الكاميرا الخفية ، فهذه الاخيرة كسياق عام تقوم بجلب شخصية سواء مشهورة او مغمورة ويتم عمل مقلب لها على شاكلة موقف واقعي ويتم التصوير خفية عنها لحين تأزم الموقف وانفعال الشخص او خروجه عن السيطرة ، ليتم اعلامه للحظة الأخيرة انه ضحية مقلب كاميرا خفية فيرضخ أخيرا لأصحاب المقلب ويقبل ما حدث له موجها تحية للجمهور القابع خاف شاشات التلفاز .
لكن ماذا لو كانت هذه البرامج ستتجاوز الخطوط الحمراء ، ضاربة في القيم الانسانية والمبادئ الاخلاقية ؟ ماذا لو صار ضيف المقلب ضحية تمارس عليها مختلف اشكال العنف والتنمر والسخرية ؟ وهل فعلا الجمهور يتلذذ بهكذا برامج ؟
تاريخ الكاميرا الخفية قديم جدا ففي الاربيعينات كان هناك برنامج امريكي اسمه candid camera اي الكاميرا الصريحة بث سنة 1948 على قناة cbs الامريكية واستمر حتى 2014 حيث كان يقوم بمقالب طريفة على ضيوفه [1]، ولعل الاشهر من بين برامج الكاميرا الخفية الذي تابعناه على قنواتنا هو برنامج فقط للضحك ( Just for Laughs: Gags)‏ الذي كنت نرى فيه مقالب طريفة للناس في الشارع.
اما في الوطن العربي فيعد اول برنامج كاميرا خفية قدمة الممثل الكوميدي فؤاد المهندس [ 2]
بالمشاهد لتطبيق ما تحدث عنه فى بداية الحلقة على المواطنين فى الشوارع [3].
برامج الكاميرا الخفية قد تتخد منحى اخر حين تلعب دور جس النبض او ايصال رسالة قوية للمجتمع كما رأينا منذ سنوات قليلة على شبكة mbc حين عرضت برنامح الصدمة ، والذي كان عبارة عن اداء مشهد ثمثيلي عبارة عن ظاهرة مجتمعية معاشة في بلادنا العربية ، كضرب الوالدين أو التحرش بالبنات او اهانة انسان ووقتها يتم رصد ردة فعل الناس اتجاه الموقف ، وفي الاخير يتدخل مقدم البرنامج لاخبار المتدخل أن المشهد مجرد ثمثيل ويهدئ من روعه وبعدها يسأله عن شعوره حول ما وقع أمامه .
لكن مع الاسف الكاميرا الخفية اتخذت منحى اخر حيث صار العنف والترويع والسخرية عنوانها الابرز ، ولعله مباشرة يقع في اذهاننا اسم المصري رامز جلال الذي صار سوبر ستار كل رمضان بما يقدمه من فكرة جديدة عند كل رمضان ، رامز جلال الفنان الكوميدي والممثل المصري الذي تعودنا ان نراه كل رمضان منذ 2011 في برنامج مقالب ، كل سنة بفكرة مختلفة لكن الرسالة واحدة هي ارعاب الضيف الى اقصى الحدود ، ظهر برنامج رامز جلال بأسماء مختلفة مرة قرش البحر ومرة واكل الجو ومرة تحت الأرض وهكذا ..
لكن هذه السنة ظهر لنا تحت مسمى [رامز مجنون رسمي ] وكأنه يقول أنه فعلا بعد كل الرعب الذي عمله في ضيوفه منذ سنوات صار مجنون رسمي ، له الشرعية والحق في أن يمارس التعذيب والرعب بدون أن يخفي وجهه كما كان يعمل سابقا ..
ففكرة هذا العام تقوم بايهام الضيف الذي غالبا ما يكون ممثل او مغني او رياضي مشهور بانه سيصور برنامج كرسي الحقيقة مع احدى الاعلاميات وفعلا يتم جلوس الضيف على الكرسي الذي ما ان يجلس عليه الضيف حتى يصير مقيد وتبدأ المذيعة بطرح عدة اسئلة على الضيف وبعدها في الفقرة الموالية تعرض عليه صور منها صورة رامز يظهر بشكل مرعب ، صورة مستلهمة من سلسلة افلام saw الشهيرة والمعروفة بممارسة التعذيب الوحشي الذي يصل لحد القتل على ضحاياه ، ما ان يحملق الضيف في صورة رامز حتى يقفز الاخير امام الضيف بطريقة مرعبة وهنا يدرك الضيف أنه امام مصير من العذاب أمام رامز وفعلا تحصل صنوف من العذاب واهانة للضيف .
ان الاكثر اساءة من العذاب هو الرسائل التي يمررها رامز خلال كلامه ، ففي الحلقة الاولى تحدث بعدة عبارات تهين المرأة وبالخصوص المرأة الطلقة ، كون ضحيته كانت فنانة مطلقة ، فهذا يعد صراحة ترسيخ لافكار الانحطاط التي تقلل من شأن المراة المطلقة في وطننا العربي ، وخصوصا على قنوات تابعة للمملكة السعودية التي بدات تسير في طريق التنوير والرقي بمكانة المرأة على حد قول حكامها ، والبرنامج يصور من الامارات ، تلك الدولة المعروفة بعدوانيتها للاسلام السياسي الذي يقلل من شأن المرأة ، الدولة المعروفة بخاطبها العلماني والتنويري ودعمها للاسلام السمح المعتدل .
صحيح هناك الكثير مما يقال حول برنامج رامز من انه يدفع لضيوفه الكثير من الأموال وأنهم يكونوا على علم بالمقلب وان كثير منهم خرج بتصريحات مصورة يعلن فيها انه رفض المشاركة في برنامج رامز بما فيهم أخوه الممثل ياسر .
بعد عرض الحلقة الاولى من البرنامج تهاطلت العديد من الردود المنددة محذرة من مشاهدته ومدى خطورة محتواه على الأطفال ، خصوصا وأنه يشجعهم على العنف والتلذذ بتعذيب الاخرين والممارسات السادية شاع هاشتاغ #رامزخطررسمي على تويتر للتنديد بكل محتوى البرنامج .
اما مستشفى الصحة النفسية بمصر فطالب بايقاف البرنامج بعدما وصفه بالعنيف ، السادي ، المثير للسخرية ، التنمر والاستهانة بالضيف ، الطلب ذاته تقدم به عدد من المحامين للنائب العام حماية للاطفال الذين يقلدون سلوك المشاهير.
في وقت عصيب كهذا والذي يمر به العالم جراء أزمة كورونا فنحن بحاجة الى برامج تريح النفس وتزيل الغمة وليس برامج تثير الرعب وتحرض على العنف وتزيد الطين بلة .
اما في الشقيقة الجزائر فالكاميرا الخفية هي من نوع اخر ، حيث يتم فيها السخرية من الانسان ومن وضعه المادي والاجتماعي ،
تقوم الفكرة على جلب المذيع لرجل أعزب ضعيف الحال اجتماعيا ويسأله عن صفات المرأة التي يود الزواج منها ،ليكافئه بعد لحظات بامرأة تلعب هذا الدور وتقول انها معجبة بالضيف فعلا .
لكن في النهاية يتم اخبار الضيف ان كل هذا مجرد كاميرا خفية وانه كله مقلب !
لا ادري اي ضمير يمتلمه هؤلاء اولا يقومون بتسليع المرأة واعتبارها هدية ( كادو على لسان المذيع ) ، هذا البرنامج هو اهانة في حق الجزائريين والمراة الجزائرية الحرة ، هل المرأة سلعة نقوم باهداءها ؟
وايضا هذا البرنامج هو احانة في حق الفقراء ، فالله وحده اعلم بنفسية الرجل المسكين ضحية المقلب الذي سيغادر وهو خالي الوفاض ، سيزيد من تأزيمه بعدما منى نفسه بزوجة لم يستطع ان يكون معها لعوزه المادي والاجتماعي .
لا ادري كيف فكر مقدموا هذا البرنامج باضحاك الجزائريين بهمومهم ولا ادري كيف سيضحك الفرد بهمومه ، ذاك الفرد المسكين الذي يعاني الان من تبعات الحجر الصحي ، تبعات دخله المحدود .
الجميل في الأمر ان السلطات المسؤولة عن الاعلام في الجزائر تدخلت لتوقف البرنامج بعد غضب كثير من الناس على مضمونه .
اننا في فعلا ونحن في زمن الرقمنة نجد انفسنا امام اعلام بدون ضمير ، اعلام يريد ان يضحنا ويدخل البهجة على قلوبنا بماذا ؟ بتعذبينا والسخرية منا ، التلذذ بآلامنا وقلة يدنا، اننا أمام اعلام استهلاكي همه الربح المادي ولو على حساب انسانيتنا .
اننا نحتاج الى تكاثف الضمائر الحية للحد من هذه التجاوزات التي تسيء الى انساننا وفردنا ونساءنا ، نحتاج الى نشر الوعي ونشر كل ما يعلي من قيمة الانسان لا من يحط منها ، ونحتاج الى رقابة من السلطات تضرب بيد من حديد كل من شأنه يسخر أو يحط من قيمة المواطن.

المصادر :
1- https://ar.m.wikipedia.org/wiki/%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%B1%D8%A7_%D8%AE%D9%81%D9%8A%D8%A9_%28%D9%81%D9%83%D8%A7%D9%87%D8%A9%29?wprov=sfla1
2- نفس المصدر السابق
3- صحيفة اليوم السابع مقال بعنوان : من فؤاد المهندس إلى رامز جلال.. تاريخ وتحوّلات الكاميرا الخفية وبرامج المقالب